> تاوريرت من قبل العهد المريني إلى العهد العلوي / ..1
   نبذة عن وضعية تاوريرت  قبل العهد المريني  

انطلاقا من موقع مدينة تاوريرت الإستراتيجي، كانت عبر التاريخ محط أطماع قوى سياسية عديدة، وهكذا ما تكاد أي قوة سياسية تبسط سيطرتها على الملك في المغرب حتى تسرع إلى إلحاق المدينة بنفودها السياسي وتقف الند للند في وجه القوى المنافسة في المنطقة

نود بادئ ذي بدء وحسب التسلسل الزمني أن نعرج على العهد الجاهلي وفجر الإسلام بالمغرب الأقصى حيث عرف المغرب الشرقي الذي يضم بين أحضانه مدينة تاوريرت تتابع وتصارع عدة قوى سياسية نوردها كما أوردها قدور الورطاسي "فالمغرب الشرقي كان في الجاهلية خاضعا لآل خزر والكاهنة داهيا ثم للولاة بالقيروان، ثم لبني سليمان بن عبد الله الكامل من دولة الأدارسة ثم لبني أبي عافية، ثم لزيري بن عطية ثم للمرابطين." (1)

غير أنه لابد من الإشارة إلى أن تاوريرت كانت تابعة لإمارة نكور، التي أسسها صالح ابن منصور الحميري في الريف الشرقي على العهد الأموي، إذ امتد نفوذ الإمارة من الناحية السياسية والإدارية إلى واد زا حيث كان قاسم الوسياني، رئيس قبيلة مرنيسة والي نكور على تاوريرت انذاك وساهم مساهمة فعالة في النزاع الذي دار رحاه بين ذوي صالح ابن منصور على العرش، فكان الساعد الأيمن لصالح وأحد أنصاره المقربين وعامله على صاع والكدية، وألح عليه في قتل أخيه إدريس الثائر ضده عندما تم القبض عليه حتى يقضي على الفتنة، واستجاب صالح وأمر بقتل أخيه. (2)

وفي خضم الصراع الدائر بين القوى السياسية المحلية في المنطقة، تكون تاوريرت قد دخلت فعلا تحت نفوذ موسى بن أبي عافية الذي غزى نكور سنة 317 هـ، 897 م وخرب أصوارها ومما يزكي هذا الطرح هو قرب ملوية موطن قبيلة مكناسة من واد زا. ومع مجريات الأحداث نجهل الشيء الكثير عن وضعية المدينة خصوصا إلى العهد المرابطي أو على الأقل حتى هذا التاريخ.

أما على العهد الموحدي نجد الزعيم الروحي للموحدين المهدي بن تومرت يحط الرحال بتاوريرت كإحدى أهم المحطات أثناء قدومه من المشرق عبر مدينة وجدة في إطار دعوته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد دون البيدق الذي لازم المهدي في رحلته ذهابا وإيابا ووصولهما إلى تاوريرت حيث وجد ابن تومرت النساء مزينات محليات يبعن اللبن فغير المنكر وصار نحو أجرسيف. (3)

وعندما انتقلت الدعوة الموحدية من إطارها الدعوي الإرشادي إلى ماهو سياسي تعرضت مدينة تاوريرت لعملية التخريب من طرف المصاميد (4)، ونجهل الأسباب الحقيقية التي أدت بالموحدين إلى القيام بهذه العملية والشريف الإدريسي الذي أورد هذا الحدث وعاصر أدق فترات الدولة الموحدية، لم يعطينا أية تفاصيل تهم الحدث المذكور.

 
   تاوريرت على عهد الدولة المرينية

أعلى العهد المريني تغيرت الأوضاع وانجلت الغيوم التي كانت تحجب عنا معرفة الكثير من خبايا التاريخ المحلي للمنطقة، إذ توفرت مجموعة من المصادر التاريخية التي عاصرت وأرخت لتلك المنطقة كابن خلدون وابن أبي زرع وأمدتنا بمعلومات في غاية الأهمية تهم وضعية ودور تاوريرت خلال العهد المريني. وهكذا تطلعنا تلك المصادر، بأن واد زا شكل حدا فاصلا بين الدولة المرينية بفاس والدولة الزيانية بتلمسان وأصبحت بذلك مدينة تاوريرت تخما نشطا بين عمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن. (5)

وفي إطار الإحتكاك والصراع بين الطرفين، بغية التوسع والسيطرة على مناطق النفوذ بالمغربين الأوسط والأقصى تمكن السلطان أبو يعقوب يوسف من طرد عامل عثمان من يغمراسن من الجانب الذي كان يسكنه من تاوريرت ودمره وشرع في بناء الحصن الذي هناك إلى الآن وأحكم بناءه وركب أبوابه مصحة من الحديد ليكون حجرة عثرة وسد منيع أمام أي تهديد  زياني مرتقب بالمنطقة، أما عامل عثمان بن يغمراسن المطرود، انسحب شرقا ناحية وجدة واتخد من الركادة مقرا جديدا لحكمه، (6) ريثما يعيد ترتيب صفوفه ويتوصل بالدعم اللوجيستيكي من تلمسان ويعيد الكر على تاوريرت حتى يشفي غليله من بني مرين الذين طردوه. وحسن الوزان الشهير بليون الإفريقي يتحدث بإسهاب عن هذا الصراع المريني الزياني على تاوريرت خصوصا بعد أن استولى بنو مرين على مملكة الغرب: "فقد رغب المرينيون في أن تتبع تاوريرت مملكة فاس، بينما أراد بنو زيان أن يضموها إلى مملكتهم، فأدى ذلك إلى أن احتلها بنو مرين ودمروا قسما كبيرا منها يسكنه أعداؤهم، ولما اشتغلوا بعد ذلك بحروب مراكش واستأثرت بهم حوادثها الخطيرة حتى  لم يعودوا يولون أمر تاوريرت كبير اهتمام، وثب عليها ملك تلمسان فاستردها وخربها ونهب الجانب الذي كان يسكنه أعداؤه منها. وما كاد يعقوب المريني أن يستولي على مراكش حتى أسرع إلى تاوريرت واستردها وهكذا استبدلت تاوريرت رؤساءها عشر مرات في ظرف خمسين سنة تارة تخضع لملك فاس، وتارة أخرى تخضع لملك تلمسان، إلى أن دمرت أخيرا وهجرت في الحرب الأخيرة التي شنها أحمد حادي عشر ملوك بني مرين بفاس عام 780 للهجرة. وبعد ذلك أقطعوها لأحد رؤساء الأعراب، فغلبهم اليأس وعزموا على الهجرة وتلرك المدينة، وذات ليلة فروا إلى ندرومة وهي مدينة تابعة لملك تلمسان". (7)

وكان من نتيجة الصراع المريني الزياني على المنطقة، خراب مدينة تاوريرت إلا أنه يجب التذكير بأن أهمية الثغرية  ودورها في الحدود عن حوزة مملكة فاس من ناحية الشرق، جعلها دائما محط اهتمام أعظم السلاطين المرينيين، وهكذا نجد السلطان أبو سعيد عثمان يعيد بناء الحصن العسكري بتاوريرت سنة 721 هـ ، 1301م ويشحنه بالرجال والرماة ليقف في وجه أي تهديد زياني، كما نجد أيضا أن السلطان أبي الحسن المريني عندما تولى الملك وثار ضد أخيه أبي علي، يستقر بتاوريرت، حيث أصبحت منطقة زا وتافراطة على عهده منطقة عسكرية مخافة أن يستغل بني عبد الوادذلك النزاع ويقوموا بالزحف على المنطقة. (8)

إلى جانب مهمتها الثغرية، وما واكب تلك المهمة من أحداث سياسية، تمكنت تاوريرت من لعب دور طلائعي بالمنطقة من الناحية الإدارية، وأصبحت مقر عمالة بالمغرب الشرقي على العهد المريني، إذ سرقت الأضواء من مختلف مدنه، هذا على الرغم من أن يوسف ولو أنه أعاد بناء وجدة، فإنه لما رجع إلى فاس قاعدة ملكه كانت تاوريرت هي مقر عمالة شرق المغرب في هذا التاريخ. (9) ولأهميتها بالمنطقة عقدها السلطان أبو يعقوب يوسف لأخيه أبي بكر بن يحيا، كما أسندت ولايتها للأمير محمد عثمان بن  تاشفين قبل سنة 761 هـ،  1359م   (10)  كما كانت مقر عمالة حتى عندما كانت مقسمة بين عمل بني مرين وبني عبد الواد.

 
  صفحة المراجع